حددت وزارة الأوقاف موضوع خطبة الجمعة 8 مايو 2026، الموافق 20 ذو القعدة 1447هـ، وهي بعنوان «دعوة الإسلام إلى التراحم»، موضحة أن الهدف من موضوع الخطبة التوعية بأن الإسلام دين الرحمة، وضرورة تراحم الناس فيما بينهم.
وأشارت الوزارة إلى أن موضوع الخطبة الثانية يأتي بعنوان «وآتوا حقه يوم حصاده».
نص موضوع خطبة الجمعة المقبلة
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم مالك يوم الدين، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فإن الرحمة التي يبثُّها الإسلام في القلوب، رحمة لا تعرف حدودًا، تمتد لتشمل الناس جميعًا بل تشمل الخلق كافة، حتى يغدو المجتمع كيانًا متراحمًا، وبحرًا زاخرًا بالمودة والرحمة، تتعانق فيه القلوب على الصدق، وتتلاقى فيه الأرواح على النصح، ويتجسد فيه أسمى معاني التعاطف والإنسانية فيما بينهم.
وفي ظلال هذه الرحمة، تزول قسوة القلوب، وتنكسر حدّة الأنانية، فيغدو الإنسان عونًا لأخيه، يشعر بألمه قبل أن ينطق، ويسعى في قضاء حاجته قبل أن يطلب، وتصبح العلاقات الإنسانية قائمةً على البذل لا على الأخذ، وعلى الإيثار لا على الاستئثار، هناك، تُبنى المجتمعات على أسسٍ من الرفق والتسامح، ويغدو الضعيف فيها مصونًا، والمحتاج مكفولًا، والمخطئ مُقوَّمًا برفقٍ لا بعنف، وبحكمةٍ لا بقسوة.
وهكذا تصنع الرحمة أمةً حيَّةً نابضةً بالخير، يسودها التراحم كما يسود الجسدَ الواحدَ شعورُ أعضائه، فإذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى، فيتحقق بذلك معنى الأخوّة الصادقة، وتشرق في جنبات المجتمع أنوار الإنسانية التي أرادها الإسلام هدايةً ورحمةً للعالمين.
وإليك طرفًا من عناية الإسلام بهذا الخُلق الكريم
الرحمة من أخص صفات الله جل جلاله
إن اللهَ عزَّ وجلَّ جعل اتصافه بالرحمن الرحيم عنوانَ كتابه الكريم، فافتتح به سوره، وكرَّر ذكره في آياته، فقد ورد اسم الرحمن في مواضع عديدة، واسم الرحيم في مواضع أكثر، ليغمر القلوبَ بمعاني الطمأنينة، ويُشيع في النفوس روحَ الرجاء، وجعل سبحانه رحمته سابقةً لغضبه، دلالةً على سَعة فضله، وعظيم إحسانه، “والرَّحْمنِ الرَّحِيمِ صفتان مشتقتان من الرحمة، والرحمة في أصل اللغة: رقة في القلب تقتضي الإحسان، وهذا المعنى لا يليق أن يكون وصفًا لله تعالى، ولذا فسرها العلماء بإرادة الإحسان، أو بالإحسان نفسه، فالرَّحْمَن وصف دال على رحمة الله تعالى بكَافَّة خلقه، بِأَن خلقهمْ وأوسع عَلَيْهِم فِي رزقهم، والرحيم خَاص فِي رَحمته لِعِبَادِهِ الْمُؤمنِينَ بِأَن هدَاهُم إِلَى الْإِيمَان وَهُوَ يثيبهم فِي الْآخِرَة الثَّوَاب الدَّائِم الَّذِي لَا يَنْقَطِع” [تفسير أسماء الله الحسنى للزجاج].
وعن سعة الرحمة الإلهية نطقت الآيات القرآنية على لسان المخلوقات النورانية: {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ} [غافر: ٧ ]، وقال تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف: ١٥٦]، قال الإمام الماتريدي: “ما من أحد من مسلم وكافر إلا وعليه من آثار رحمته في هذه الدنيا، بها يتعايشون ويؤاخون ويوادون، وفيها يتقلبون، لكنها للمؤمنين خاصة في الآخرة، لا حظ للكافر فيها” [تأويلات أهل السنة].
وقال تعالى: {وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنعام: ٥٤].
وعَنْ سيدنا عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْيٌ، فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْيِ قَدْ تَحلب ثديها تَسْقِي، إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ أَخَذَتْهُ، فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ، فَقَالَ لَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَتُرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ» قُلْنَا: لاَ، وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لاَ تَطْرَحَهُ، فَقَالَ: «لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا» [متفق عليه].
وعَنْ سيدنا أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَمَّا قَضَى اللَّهُ الخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابِهِ فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ إِنَّ رَحْمَتِي غَلَبَتْ غَضَبِي» [رواه البخاري].
رحمة الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام بأقوامهم
إذا كانت الرحمة من أخص صفات المولى تبارك وتعالى، فإنها من أخص صفات الأنبياء والرسل الكرام، فعَنْ التابعي الجليل سيدنا كَعْبٍ الأحبار، قال: “أوحى الله إلى موسى فقال: يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ أُقَرِّبَ مَجْلِسَكَ مِنِّي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَلَا تَنْهَرِ السَّائِلَ وَلَا تَقْهَرِ الْيَتِيمَ، وَجَالِسِ الضُّعَفَاءَ وَارْحَمِ الْمَسَاكِينَ وَأَحِبَّ الْفُقَرَاءَ وَلَا تَفْرَحْ بِكَثْرَةِ الْمَالِ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الْمَالِ تُقَسِّي الْقَلْبَ.. .يا مُوسَى كُنْ لَيِّنَ الْجَانِبِ، فَإِنَّ أَبْغَضَ الخَلقِ إِلَيَّ الَّذِي فِي نَفسِهِ كِبرٌ وَفِي لِسَانِهِ جَفَاءٌ وَفِي قَلْبِهِ قَسْوَةٌ، وَأَحَبُّ الْأَخْلَاقِ إِلَيَّ الرَّحْمَةُ وَالْعَطْفُ وَالرَّأْفَةُ وَالرِّقَّةُ” [حلية الأولياء].
وعَنْ سيدنا يَزِيدَ بْنِ مَيْسَرَةَ قَالَ: قَالَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: “بِحَقٍّ أَقُولُ لَكُمْ، كَمَا تَوَاضَعُونَ فَكَذَلِكَ تُرْفَعُونَ، وَكَمَا تَرْحَمُونَ كَذَلِكَ تُرْحَمُونَ، وَكَمَا تَقْضُونَ مِنْ حَوَائِجِ النَّاسِ فَكَذَلِكَ اللهُ تَعَالَى يَقْضِي مِنْ حَوَائِجِكُمْ” [حلية الأولياء].
ووصف الله تعالى رسوله الكريم مبيِّنا رحمته صلى الله عليه وسلم بالخلق بقوله: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: ١٢٨]، قال الحكيم الترمذي: ” كَانَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم مأمن الْخلق ومفزعهم، لَهُ عطف الْآبَاء وشفقة الْأُمَّهَات وَرَحمَة الوالدات، وَشهد الله لَهُ فِي تَنْزِيله أعظم شَهَادَة فَقَالَ عز من قَائِل: {عَزِيز عَلَيْهِ مَا عنتم حَرِيص عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رءوف رَحِيم} قد حشي بالرأفة وَالرَّحْمَة والنصيحة لله تَعَالَى فِي خلقه، واستنار قلبه بِنور الله تَعَالَى فدقَّت الدُّنْيَا بِمَا فِيهَا فِي عينه، وَصغر عِنْده بذل نَفسه لله فِي جنب الله، فَكَانَ مفزعا وَكَانَ مأمنا وَكَانَ غياثا وَكَانَ رَحْمَة وَكَانَ أَمَانًا ” [نوادر الأصول].
وأثبت الله عز وجل أن رحمته عامة شاملة بقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: ١٠٧]، قال ابن عباس في قوله: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}، قال: تمَّتِ الرحمة لمن آمن به في الدُّنيا والآخرة، ومَن لم يُؤمن به عُوفِىَ مما أصاب الأمَم قبلُ. [جامع البيان]
وقال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: ١٥٩]. قال السمرقندي: ” فالله ذكر منَّه أن جعل رسوله رحيمًا رءوفًا بالمؤمنين، حيث قال: فبرحمة مِنَ الله لِنْتَ لَهُمْ يا محمد.. ، وكنت رءوفًا رحيمًا بالمؤمنين، وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ، أي: خَشنًا في القول غليظ القول، لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ، أي: لتفرقوا من عندك، ولكن الله جعلك سهلًا سَمْحًا طلقًا لينًا لطيفًا بارًّا رحيمًا” [بحر العلوم]
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا أَنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ». [دلائل النبوة للبيهقي]
وعن أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ النَّاسِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا، فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ جَعَلَ الفَرَاشُ وَهَذِهِ الدَّوَابُّ الَّتِي تَقَعُ فِي النَّارِ يَقَعْنَ فِيهَا، فَجَعَلَ يَنْزِعُهُنَّ وَيَغْلِبْنَهُ فَيَقْتَحِمْنَ فِيهَا، فَأَنَا آخُذُ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ، وَهُمْ يَقْتَحِمُونَ فِيهَا» [متفق عليه].
وشواهد رحمته صلى الله عليه وسلم في السنة والسيرة النبوية أكثر من أن تحصى.
جسدٌ واحدٌ.. تنبضُ فيه القلوبُ رحمةً وودًّا
عن النعمان بن بشير رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وتعاطُفهم مَثَل الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجسدِ بِالسَّهَرِ والْحُمَّى» [صحيح مسلم]
يضربُ الصادقُ المصدوقُ مثلًا بديعًا للأمَّة المحمديّة حين تتشرّب قلوبُها حلاوةَ الإيمان، وتخالط بشاشتُه أعماقَها، فيُشبّهها بالجسد الواحد، جسدٍ تتآزر أعضاؤه، وتتساند قواه، فإذا تألَّم منه عضوٌ واحد، تجاوبت معه سائر الأعضاء سهرًا وحمّى، كأن الألم رسالةٌ تسري في العروق، توقظ الإحساس، وتستنهض الرحمة.
وهكذا يكون حال المؤمنين، قلوبٌ متآلفة، وأرواحٌ متعانقة، لا يهنأ لهم عيشٌ وجارُهم متألّم، ولا يطيب لهم قرارٌ وأخوهم في ضيق، يفرحون لفرح بعضهم، ويحزنون لحزنهم، وتتلاقى مشاعرهم على بساطٍ من الصدق والوفاء، فتذوب الفوارق، وتضمحلّ الأنانيات، ويعلو صوت التراحم فوق كل صوت.
فإذا سرت هذه المعاني في الأمة، غدت كيانًا حيًّا نابضًا، لا يعرف التمزّق، ولا يقبل التخاذل، تُبنى فيه العلاقات على الإيثار، وتُروى جذوره بالمحبّة، فيثمر أمنًا وسكينة، ويزهر تماسكًا وقوّة، فتتحقق فيه صورة الجسد الواحد حقيقةً لا مجازًا، وروحًا لا لفظًا، كما أرادها الله رحمةً للعالمين.
وفي القاعدة النبوية المباركة التي سرت في الأمة بركاتها، حتى أصبحت أول ما يتلقاه الطلاب في حِلق العلم من أفواه مشايخهم، خير دليل على أن الرحمة هي الصفة التي جعلها المولى معيارا لهذه الأمة، وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا أَهْلَ الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» [سنن أبي داود].
وقال صلى الله عليه وسلم: «وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ» [صحيح البخاري]، وقال شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني: وَالرُّحَمَاءَ جَمْعُ رَحِيمٍ، وَهُوَ مِنْ صِيَغِ الْمُبَالَغَةِ، وَمُقْتَضَاهُ: أَنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ تَخْتَصُّ بِمَنِ اتَّصَفَ بِالرَّحْمَةِ، وَتَحَقَّقَ بِهَا بِخِلَافِ مَنْ فِيهِ أَدْنَى رَحْمَةٍ، لَكِنْ ثَبَتَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عِندَ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ» وَالرَّاحِمُونَ جَمْعُ رَاحِمٍ، فَيَدْخُلُ كُلُّ مَنْ فِيهِ أَدْنَى رَحْمَةٍ، وَقَدْ ذَكَرَ الْحَرْبِيُّ مُنَاسَبَةَ الْإِتْيَانِ بِلَفْظِ الرُّحَمَاءِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ بِمَا حَاصِلُهُ: إِنَّ لَفْظَ الْجَلَالَةِ دَالٌّ عَلَى الْعَظَمَةِ، وَقَدْ عُرِفَ بِالِاسْتِقْرَاءِ أَنَّهُ حَيْثُ وَرَدَ يَكُونُ الْكَلَامُ مَسُوقًا لِلتَّعْظِيمِ، فَلَمَّا ذُكِرَ هُنَا نَاسَبَ ذِكْرَ مَنْ كَثُرَتْ رَحْمَتُهُ وَعَظَمَتُهُ لِيَكُونَ الْكَلَامُ جَارِيًا عَلَى نَسَقِ التَّعْظِيمِ، بِخِلَافِ الْحَدِيثِ الْآخَرِ فَإِنَّ لَفْظَ الرَّحْمَنِ دَالٌّ عَلَى الْعَفْوِ، فَنَاسَبَ أَنْ يُذْكَرَ مَعَهُ كُلُّ ذِي رَحْمَةٍ، وَإِنْ قَلَّتْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [فتح الباري].
في رعايةِ الضعفاء تتجلى الرحمة
يقصد بالضعفاء: الفقراء، والأيتام، وكبار السن، وذوي الاحتياجات الخاصة، وأصحاب الأمراض المزمنة، فالتراحم مع هذه الفئات ميزانُ رقيِّ المجتمعات، وعنوانُ إنسانيتها الصادقة، لذا جاء الإسلام مؤكدًا على حقوقهم، وأناط مسئوليتهم بالمجتمع، وجعل الفقير في ذمة الغني، والضعيف في ذمة القوي، والمريض في ذمة الصحيح، وهكذا.
إذ حين تُمدّ الأيادي إلى الفقير، وتُمسح دموع اليتيم، ويُوقَّر الكبير، ويُحتضن ذو الحاجة الخاصة، هناك تتجلّى معاني الإيمان وتظهر معادن الأخلاق.
جعل القرآن الكريم رعاية هذه الفئات من أعظم القُرُبات، فقال تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ} [النساء: ٣٦]، وقال عن صفات الأبرار: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} [الإنسان: ٨]، وقال سبحانه: {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ}، لتكون الرحمة بهم واجبًا لا تفضّلًا.
وجاءت السنة النبوية تؤكِّد هذا المعنى في أبلغ صورة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين»، وأشار بالسبابة والوسطى [صحيح البخاري]، وقال أيضًا: «مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرِفْ حَقَّ كَبِيرِنَا فَلَيْسَ مِنَّا» [رواه أبو داود]، وقال أيضًا: «مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» [صحيح مسلم].
وهكذا يُربّي الإسلام أبناءه على أن يكونوا عونًا للضعفاء، وسندًا للمحتاجين، حتى يتحول المجتمع إلى حضنٍ دافئٍ يضمّ الجميع، لا يُقصي ضعيفًا، ولا يترك محتاجًا، بل يشيع فيه العدل مشفوعًا بالرحمة، والإحسان مقرونًا بالإنسانية.
رحمة التشريع في رعاية الأطفال
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي لَأَقُومُ إِلَى الصَّلاَةِ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلاَتِي كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ» [رواه البخاري].
وعَنْ أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ، أَنَّهَا “أَتَتْ بِابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ، لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ، إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَجْلَسَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجْرِهِ، فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ، فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ” [رواه البخاري].
وعن أبي بَكْرَةَ نُفَيْع بن الحارث رضي الله عنه قال: “سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَلَى المِنْبَرِ وَالحَسَنُ إِلَى جَنْبِهِ، يَنْظُرُ إِلَى النَّاسِ مَرَّةً وَإِلَيْهِ مَرَّةً” [رواه البخاري].
وعَنْ سيدنا أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: “مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَرْحَمَ بِالْعِيَالِ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ” [رواه مسلم].
وعن سيدنا عبد الله بن الحارث رضي الله عنه قال: “كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يصف عبد الله وعبيد الله وكثير بني العباس رضي الله عنهم، ثم يقول من سبق فله كذا وكذا، قال فيستبقون إليه، فيقعون على ظهره وصدره، فيقبلهم ويلتزمهم” رواه أحمد.
وعن محمود بن الربيع قال: “عَقَلْتُ من رسول الله صلى الله عليه وسلم – مَجَّةً مَجَّها في وجهي من دَلْو بئرٍ كانت في دارنا، وأنا ابن خمس سنين”. رواه البخاري ومسلم.
وعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: “قَبَّلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ وَعِنْدَهُ الأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ جَالِسًا، فَقَالَ الأَقْرَعُ: إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: «مَنْ لاَ يَرْحَمُ لاَ يُرْحَمُ» [متفق عليه].
قال ابن بطال: “رحمة الولد الصغير ومعانقته وتقبيله والرفق به من الأعمال التي يرضاها الله ويجازى عليها، ألا ترى قوله عليه السلام للأقرع بن حابس: «مَنْ لاَ يَرْحَمُ لاَ يُرْحَمُ»، فدل أن تقبيل الولد الصغير، وحمله والتحفي به مما يستحق به رحمة الله، ألا ترى حمل النبي عليه السلام أمامة ابنة أبي العاص على عنقه في الصلاة، والصلاة أفضل الأعمال عند الله، وقد أمر عليه السلام بلزوم الخشوع فيها، والإقبال عليها، ولم يكن حمله لها مما يضاد الخشوع المأمور به فيها، وكره أن يشق عليها لو تركها ولم يحملها في الصلاة، وفي فعله عليه السلام ذلك أعظم الأسوة لنا، فينبغي الاقتداء به في رحمته صغار الولد وكبارهم والرفق بهم، ويجوز تقبيل الولد الصغير في سائر جسده” اهـ. [شرح صحيح البخاري لابن بطال].
ومن هنا استنبط العلماء قاعدة عظيمة ألا وهي: “لأجل الأطفال تتوقف الأحكام الشرعية”، رحمةً بهم.
التراحم في المعاملات المالية
قد يندفع الإنسان خلف شهوة المال، فيغشّ ويحتال، وتغلُب عليه قسوةُ الطمع حتى تغيب عنه معاني الرحمة، فلا يراعي حقًّا ولا يرعى ذمّة، غير أنّ الإسلام جاء ليهذّب هذا المسار، ويغرس في القلوب خلقَ التراحم في كل شؤون الحياة، حتى في أدقّ تفاصيل المعاملات، فعَنْ سيدنا جَابِرِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ، سَمْحًا إِذَا اشْتَرَى، سَمْحًا إِذَا اقْتَضَى» [رواه البخاري].
يقول ابن بطال: “فيه الحضُ على السماحة وحسن المعاملة، واستعمال معالي الأخلاق ومكارمها، وترك المشاحة والرقة في البيع، وذلك هو سبب وجود البركة فيه، لأن النبي عليه السلام لا يحض أمته إلا على ما فيه النفع لهم في الدنيا والآخرة، فأما فضل ذلك في الآخرة فقد دعا عليه السلام بالرحمة لمن فعل ذلك، فمن أحب أن تناله بركة دعوة النبي- عليه السلام – فليقتد بهذا الحديث ويعمل به” ا. ه. [شرح صحيح البخاري لابن بطال].
وعن سيدنا عَطَاء بْن فَرُّوخ “أَنَّ عُثْمَانَ اشْتَرَى مِنْ رَجُلٍ أَرْضًا فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ، فَلَقِيَهُ فَقَالَ لَهُ: مَا مَنَعَكَ مِنْ قَبْضِ مَالِكَ، قَالَ: إِنَّكَ غَبَنْتَنِي فَمَا أَلْقَى مِنَ النَّاسِ أَحَدًا إِلَّا وَهُوَ يَلُومُنِي، قَالَ: أَوَ ذَلِكَ يَمْنَعُكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَاخْتَرْ بَيْنَ أَرْضِكَ وَمَالِكَ”، ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَدْخَلَ اللَّهُ الْجَنَّةَ رَجُلًا كَانَ سَهْلًا مُشْتَرِيًا وَبَائِعًا وَقَاضِيًا وَمُقْتَضِيًا» [رواه أحمد].

